الشيخ محمد رشيد رضا
475
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
90 - وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ يقال جاز المكان وجاوزه وتجاوزه إذا ذهب فيه وقطعه حتى خلفه وراءه . وأصله من جوز الطريق ونحوه وهو وسطه ، وتسمية الجوزاء مأخوذة من تعرضها في جوز السماء أي وسطها ، ومجاوزة اللّه البحر بهم عبارة عن كونهم جاوزوه بمعونته تعالى وقدرته وحفظه ، إذ كان آية من آياته لنبيه موسى عليه السّلام بفرقه تعالى بهم البحر وانفلاقه لهم كما تقدم في سورة البقرة والأعراف فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً أي لحقهم فأدركهم ظلما وعدوانا عليهم ليفتك بهم أو يعيدهم إلى مصر حيث يتعبدهم ويسومهم سوء العذاب حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ اي فخاض البحر وراءهم حتى إذا وصل إلى حد الغرق قال آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ اي قال قبل أن يغرق وهو يدل على أن البحر لم يطبق عليه دفعة واحدة : آمنت انه لا اله بالحق الا الرب الذي آمنت به جماعة بني إسرائيل بدعوة موسى وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي وأنا فرد من جماعة المذعنين له المنقادين لأمره ، بعد ما كان من كفر الجحود بآياته والعناد لرسوله . يعني انه جمع بين الايمان الذي هو التصديق بالقلب ، والاسلام الذي هو الاذعان والخضوع بالفعل ، بدون امتياز لعظمة الملك ، وكان من قبل جاحدا ، أي مصدقا غير مذعن ولا خاضع ، بدليل قوله تعالى فيه وفي آله ( 27 : 14 وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) يعني آيات موسى . وهذه هي العاقبة ، وقد أجيب فيها فرعون عن دعواه بقوله تعالى الذي يعرف بلسان الحال أو بقول جبريل ( ع . م ) 91 * * * آلْآنَ ؟ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ اي أتسلم الآن أو تدعي الاسلام واذعان الطاعة والانقياد ، حيث لا محل له ولا امكان ، بما حال دونه من الهلاك ، وقد عصيت قبله وكنت من المفسدين في الأرض الظالمين للعباد ، والمراد ان دعوى الاسلام الآن باطلة ، والايمان بدون الاسلام مع إمكانه لا يقبل